سيد محمد طنطاوي
25
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله * ( مَسْحُورُونَ ) * اسم مفعول من السحر ، بمعنى الخداع والتخييل والصرف عن الشيء إلى غيره . والمعنى : أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الغلو في الكفر والعناد ، أننا لو فتحنا لهم بابا من أبواب السماء ، ومكناهم من الصعود إليه ، فظلوا في ذلك الباب يصعدون ، ويطلعون على ملكوت السماوات وما فيها من الملائكة والعجائب لقالوا بعد هذا التمكين والاطلاع - لفرط عنادهم وجحودهم - إنما أبصارنا منعت من الإبصار ، وما نراه ما هو إلا لون من الخداع والتخييل والصرف عن إدراك الحقائق بسبب سحر محمد صلى اللَّه عليه وسلم لنا وعلى هذا التفسير الذي سار عليه جمهور المفسرين ، يكون الضمير في قوله * ( فَظَلُّوا ) * يعود إلى هؤلاء المشركين المعاندين . وقيل الضمير للملائكة ، فيكون المعنى : فظل الملائكة في هذا الباب يعرجون ، والكفار يشاهدونهم وينظرون إليهم ، فقالوا - أي الكفار - بعد كل ذلك ، « إنما سكرت أبصارنا . . » . وعلى كلا الرأيين فالآية الكريمة تصور أكمل تصوير ، مكابرة الكافرين وعنادهم المزرى . وعبر - سبحانه - بقوله * ( فَظَلُّوا . . ) * ليدل على أن عروجهم كان في وضح النهار ، بحيث لا يخفى عليهم شيء مما يشاهدونه . وجمعوا في قولهم بين أداة الحصر * ( إِنَّما ) * وبين أداة الإضراب * ( بَلْ ) * للدلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له ، بل هو باطل ، وما يرونه ما هو إلا من تخيلات المسحور . وقالوا « بل نحن قوم مسحورون » ولم يقولوا بل نحن مسحورون ، للإشعار بأن السحر قد تمكن منهم جميعا ، ولم يخص بعضا منهم دون بعض . قال الشوكاني : وفي هذا البيان لعنادهم العظيم الذي لا يقلعهم عنه شيء من الأشياء كائنا ما كان ، فإنهم إذا رأوا آية توجب عليهم الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله ، نسبوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقي لعارض الانسداد أو أن عقولهم قد سحرت فصار إدراكهم غير صحيح . ومن بلغ في التعنت إلى هذا الحد ، فلا تنفع فيه موعظة ولا يهتدى بآية » « 1 » . وبذلك نجد السورة الكريمة قد حدثتنا في خمس عشرة آية من مطلعها إلى هنا ، عن سمو
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 3 ص 123 .